Thursday, June 25, 2015

رمضان مع يوسف 8 (يوسف و إدارة الأزمة) ...

رمضان مع يوسف 8
يوسف و إدارة الأزمة...

رأينا في قصة يوسف نموذجاً لما اصطلح عليه في زماننا بالأزمات أو المشكلات الكبرى التي تواجه دولة كبرى بحجم مصر في زمان يوسف...أزمة تنذر بكارثة بل بكوارث فظيعة إن لم يتم مجابهتها بشكل صحيح...
رأينا بلداً كبيراً و ما حوله من بلدان كل اعتماده على نهر واحد هو النيل...
يعتمد عليه في الشرب و في الزراعة التي توفر القوت...
يعني باختصار لا مصر بدون نهر النيل...
المصريون الفراعنة أدركوا هذه الحقيقة و لأنهم عجزوا عن فهم أعمق للنيل ناهيك عن أي محاولة لتطويعه أو ترويضه بحيث لا يأتي أحياناً طاغياً متوحشاً فائضاً بالغرق و أحياناً أخرى هزيلاً شحيحاً قاتلاً بالجفاف...المصريون قدروا النيل و أضافوا لمقداره عجزهم أمامه فاتخذوه واحداً من آلهتهم الكثيرة...!
و لا زال النيل ذو قدر عظيم على مصر و المصريين إلى اليوم و إن أدركوا أنه ليس إلهاً لكنه يجري بإذن الأله الواحد سبحانه...
و ها نحن حتى اليوم نرى تخوف المصريين من أي فعل بشري يؤثر أو يحاول أن يؤثر على النيل كمثل أزمة سد النهضة في أثيوبيا...
في قصة يوسف رأينا أزمة تقلب النيل ما بين فيضان لمدة سبع سنين ثم قحط لمدة سبع أخريات و عجز عن أي تدبير للتعامل معها...ورأينا التهديد بالجوع و العطش أو المجاعة كمثل ما يحدث في بلاد أفريقية قريبة من مصر هذه الأيام (كالصومال مثلاً) ...أزمة من النوع الحقيقي و تنذر بكارثة بشرية مروعة...!
أما إدارة الأزمة في قصة يوسف فهي نموذج لما نراه اليوم من (علم إدارة الأزمة)... نموذج تم تصريفه إلهياً و بوحي لنبي كريم من أنبياء الله هو يوسف (ص)... EG-[A_BA[ALLC_ALLS_ALLB]:Ramadan (614x430)
أول و أهم مراحل إدارة الأزمة هو التنبؤ بها أو توقعها أو استشعارها (قبل) أن تحدث....
رأينا في قصة يوسف أن مصر كانت تحت حكم أجنبي محتل (الهكسوس) و أن هذه الدولة المحتلة كانت متخلفة حضارياً و أخلاقياً و علمياً و مع هذا ربما كانت الأفضل فيما حولها و بالتالي كان محالاً على هكذا دولة أن يكون لها مؤسسات تعمل على التنبؤ بالكوارث أو الإعداد للمستقبل عموماً...
كان حتماً أن تكون مرحلة توقع الأزمة أو التنبؤ بها إذن مرحلة فوق مستوى هذه الدولة  الكبرى يعني فوق مستوى البشرية المعاصرة يعني وحياً إلهياً...!
جاء هذا الوحي في صورة مركبة نوعاً ما لخدمة أكثر من هدف في وقت واحد...
جاء في صورة شفرة كودية تمثلت في رؤيا منامية صادقة لملك مصر وقتها و في صورة فك لهذه الشفرة على يد شخص واحد فقط يمكنه ذلك هو يوسف (ص)...
و بالتالي تخدم نفس هذه الشفرة غرض إنقاذ مصر من الأزمة و في نفس الوقت تخدم غرض إنقاذ يوسف من التهم الباطلة و من السجن ظلماً...
إذن في الوقت المناسب تم التنبؤ الصحيح بالأزمة...
ثاني مراحل إدارة الأزمة هي التخطيط لمواجهتها أو ما يعرف ب (خطة العمل) action plan...
و مرة أخرى كان من المستحيل على شعب مستعمر غير متحضر أن يضع خطة عمل لمواجهة هكذا أزمة خطيرة بأسلوب علمي حتى لو تنبأ بها قبل حدوثها...!
فكان حتماً أن تكون خطة العمل أيضاً وحياً إلهياً و كلاماً نبوياً...
أول عناصر خطة العمل كانت (العمل) ليس العمل بالصورة المعتادة بل العمل الدؤوب الجاد الكثيف وعدم الغرور بسنوات سبع كاملة قادمة من الرخاء ...
ونوع العمل المناسب للأزمة هنا هو الزراعة بالطبع...استغلال كل نقطة مياه و كل بقعة أرض لزيادة الإنتاج الزراعي...
بالطبع لم يكن ممكناً توجيه طاقة دولة متخلفة لبناء سدود على النيل مثلاً ولا كان هذا عملاً نافعاً لو تم لأنه لا الدولة تستطيع تنفيذه و لا الوقت سيسمح بالاستفادة منه في الوقت المناسب إن تم...
الهدف من العمل هو زيادة الإنتاج الزراعي من أهم السلع أو ما يسمى في زماننا (السلع الاسترتيجية)...و على رأسها بالطبع (القمح)...و ليس طبعاً زيادة الإنتاج من المحاصيل الترفيهية أو عديمة الجدوى الاستراتيجية كما نراه في بعض البلاد في زماننا المعاصر...
إذن نحن نتكلم بالأساس عن عمل دؤوب لإنتاج محصول وفير من القمح...
و ناتج العمل الزراعي المتوفع هو حصاد محصول وفيراً جداً من سنابل القمح في سنوات الرخاء...محصول يغطي الاستهلاك و يحقق فائض يمكن الانتفاع به لاحقاً في سنوات الجفاف...
وهنا يأتي السؤال: كيف سيتم تخزين فائض القمح؟
و سؤال آخر: هل وجود فائض حالياً و أزمة مرتقبة مستقبلاً معناه زيادة الاستهلاك أم الاستمرار بنفس معدلات الاستهلاك أو خفض معدلات الاستهلاك ؟
خطة العمل الربانية أجابت على السؤالين خير جواب...
تخزين سنابل القمح كما تم حصادها دون أي تعامل معها في حصون مخصصة لذلك...و هي الآن تعرف (بصوامع الغلال) التي يدخر فيها (المخزون الاستراتيجي) ...
مع خفض الاستهلاك و الأكل قليلاً و تشجيع الادخار استعداداً للمستقبل...على أن يتم هذا بنظام محكم لتوزيع حصص محددة تضمن وصول السلعة لمن يحتاجها بالكمية المناسبة و في الوقت المناسب مع الحفاظ على فرص توفير الاستهلاك (وزارة تموين)...
العنصر الأخير من خطة العمل هو (الأمل)...
إضفاء الشعور بأن الأزمة حتماً ستنتهي و سيتجدد الرخاء من بعدها ...لأن سنة الحياة ألا يدوم فيها شيء...
و هنا أضاف يوسف للتأويل جزءاً لا وجود له في شفرة الرؤيا المنامية الأصلية (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون)...و هي إضافة حيوية للتحفيز على العمل بالأمل...
المرحلة الثالثة من إدارة الأزمة هي مرحلة اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب لتنفيذ خطة العمل...ذلك أن خطة بلا تنفيذ لا تساوي شيئاً و أن تكليف غير كفء بمهمة معناه عدم إنجازها و كلها أمور لا تناسب أمة تستعد لمواجهة أزمة...
بالطبع أصر الملك في القصة على أن يكون يوسف حاضراً بقوة في التنفيذ و كلفه باختيار أنسب موقع لمباشرة خطة العمل (إنك اليوم مكين أمين) فاختار يوسف الموقع الأكبر مسئولية و الأشد حساسية موقع (وزير الخزانة) وهو الذي سيكون مسئولاً بشكل مباشر و صريح عن تنفيذ خطة العمل (اجعلني على خزائن الأرض) ...و هو اختيار النبوة بكل تأكيد فلن تجد أشجع من نبي في زمانه...و منهم يوسف...
و تستطيع بعدها أن تتوقع أن يوسف أحسن اختيار رجاله و من هم دونه في مواقع المسئولية....
المرحلة  الرابعة من إدارة الأزمة هي التنفيذ...
و نحن رأينا أن يوسف قد مكن الله له في أرض مصر تمكيناً بسبب مهام وظيفته الجديدة يؤهله لأن يذهب بنفسه لأي بقعة فيها متى شاء...و هذا هام لأنه يرينا أهمية أن يكون المسئول التنفيذي (ميدانياً) يباشر العمل بنفسه و في كل مكان يتصل به و لا يكتفي بتفويض المهام لمعاونيه...
و أظننا كمصريين قاسينا طويلاً في زماننا المعاصر من مسئوليين (مكتبيين) يباشرون عملهم على الورق و تحت تأثير المكيفات فكانت النتيجة تراخي أعوانهم و تراجع أدائهم حتى ترهلت دولة بأسرها و جرى لها ما جرى...!
و الشاهد من القصة أن يوسف كان ميدانياً و يقف على يد مساعديه في كل عمل و هذا هو ما أتاح فرصة أن يرى إخوته حين أتوا مصر طلباً للميرة كما بالقصة و لم يجعل وجوده في مكان غير قصره أمراً غير معتاد...
المرحلة الأخيرة من إدارة الأزمة هي المتابعة و التقييم للنتائج و أظنك من السهل أن تتوقع نجاح يوسف فيها أيضاً بدليل أن يوسف و إخوته و أهله جميعاً و ذريتهم (بني إسرائيل) عاشوا بعدها سنين طويلة في مصر وصلت لزمان موسى (ص) ...
إذن نحن أمام نموذج رباني نبوي لإدارة الأزمة...قام بتنفيذه نبي ...و انتهى بنهاية سعيدة...أحسب أننا جميعاً يجب أن نتوقف عنده ونستفيد منه...
و لا زالت خواطرما حول قصة يوسف مستمرة...

تابعونا...

Tuesday, June 23, 2015

رمضان مع يوسف 7 (يوسف و نظام الحكم)...

رمضان مع يوسف 7
(يوسف و نظام الحكم)...


رأينا في قصة يوسف ملامح كثيرة من نظام حكم مصر في ذلك الزمان...
المفسرون لاحظوا أن يعقوب و بنيه هم من سلالة إبراهيم (ص) يعني عبرانيين وعاشوا في منطقة الشام قريباً من مصر يعني في فلسطين و عاشوا في البادية كما نصت السورة صراحة على ذلك (و جاء بكم من البدو) قبل أن ينتقلوا للعيش في الحضر مع يوسف في مصر...
المفسرون لاحظوا أيضاً أن القرآن الكريم تحدث باستمرار عن حاكم مصر بلفظ (الفرعون) عدا في قصة يوسف فتحدث عنه بلفظ (الملك)...و استنتجوا من هذا أن قصة يوسف وقعت في زمان لم يكن فيه حكم مصر للمصريين بل لأجانب محتلين و لذا تلقبوا بغير الألقاب المصرية في ذلك الزمان...ولعلنا لاحظنا أيضاً في ألفاظ القصة أن القرآن الكريم وصف من اشترى يوسف بأنه (من مصر) و لم يقل (مصري)...
و أقرب النماذج التي مرت بها مصر توافقاً مع زمان قصة يوسف هو نموذج (الهكسوس) الذين وصفهم التاريخ بأنهم قبائل بدوية من رعاة الغنم جاءت من نفس المنطقة الموصوفة في القصة (فلسطين) و احتلوا فعلاً شمال مصر بينما فر المصريون إلى الجنوب (الصعيد) و استمر حكمهم لشمال مصر حوالي مائة و خمسين عام انتهت بطردهم منها على يد (أحمس) البطل المصري التاريخي المعروف...
و لعلنا نستنتج توافقاً مع هذا أيضاً أن كراهية المصريين الفراعنة لبني إسرائيل جاءت كونهم (أي بني إسرائيل) دخلوا مصر في ظل زمان الاحتلال الأجنبي لها بل و خدموا ملوك الهكسوس المستعمرين (كما خدم يوسف وزيراً للملك في القصة)...و تمثلت هذه الكراهية فيما أورده القرآن أيضاً من سوء معاملة و تسخير و قتل و غيرها...و استمرت هذه الكراهية سنين طويلة حتى وصلت لزمان موسى (ص) الذي أرسله الله تعالى ليستنقذ بني إسرائيل بالخروج من مصر و العودة مرة أخرى إلى فلسطين حيث جاءوا ...ولعلنا نستنتج أيضاً أن المصريين الفراعنة لم يبيدوا بني إسرائيل أو يطردوهم مع الهكسوس بل احتفظوا بهم في مصر ربما لفوائد حصلوها من استبقائهم كمثل وجود العلماء بينهم أو أصحاب رؤوس المال أو غيرهم و لعل (قارون) نموذج شهير لهذا...
الشواهد التاريخية التي خلفها لنا المصريون الفراعنة عن الهكسوس تصفهم بأنهم (البدو الرعاة) الذين اكتسحوا حدود البلاد و هزموا دفاعات مصر بسبب امتلاكهم لسلاح حربي جديد وقتها هو (العجلة الحربية) و هو أثر تاريخي لا زال محتفظاً به إلى اليوم...
و وصف المصريون الفراعنة هؤلاء الهكسوس بأنهم شعوب همجية غير متحضرة...و هو وصف قريب لما لمسناه في قصة يوسف عن مجتمع ماجن مليء بسيء الأخلاق التي لم يسلم منها حتى قصر ملكهم نفسه و خاصة حاشيته...!
إذن نظام الحكم في زمان قصة يوسف هو نظام حكم محتل لمصر (أو جزء كبير منها) له بنية و إدارة مختلفة عن النظام المصري الفرعوني المعروف تاريخياً...
ما هي ملامح هذا النظام (الغير فرعوني و لا مصري)... EG-[A_BA[ALLC_ALLS_ALLB]:Ramadan (614x430)

النظام ملكي وراثي كما هو واضح من تسمية رأس الدولة بالملك...
النظام يدير مجتمع طبقي أساسه فكرة (السادة و العبيد)...
الملك هو سيد  ما دونه من البشر و لذا يعدونه رباً أو إلها فبحسب القصة ترادف استخدام لفظ (الملك) مع لفظ (الرب) كثيراً...
وما دون الملك هو إما سيد أو عبد لأن الاسترقاق و تجارة الرقيق الصريحة أمر مشروع بل وعقوبة جنائية مقبولة أحياناً...!
و الرجل سيد على المرأة (حتى لو زوجته الحرة)... (و ألفيا سيدها لدى الباب)...
و السادة طبقات منهم الملأ (يا أيها الملأ أفتوني) أو كبار رجال الدولة كالعزيز و الوزراء و رجال الحاشية....و منهم ما دون ذلك...
دين الدولة الرسمي هو الوثنية و الشرك بالله تعالى فضلاً عن تأليه الحاكم بسبب الحكم...
و ككل الوثنيات يكون في ظاهرها التسامح الديني لأنها تقبل أساساً بفكرة تعدد الآلهة (الشرك) ...!
و من هذا المنطلق ربما سمحت الوثنية حتى للموحدين بالبقاء دون اضطهاد ما لم يصطدموا صراحة بها و يطالبوا بإلغائها...!
الدولة المصرية و إن خضعت للاحتلال إلا أن لها حدود معروفة و مميزة عما حولها و يتحكم فيها أبواب محددة أو منافذ رسمية (ادخلوا مصر)...
الدولة لها منظومة لتحقيق العدالة أومحاولة ذلك (تعرضنا لها سابقاً)...
اقتصاد الدولة المصرية أساسه الزراعة التي تعتمد على مياه النيل التي تتقلب بين مواسم الفيضان و الجفاف...و فكرة تخزين المحاصيل كانت أسبق من فكرة التحكم في النيل لمواجهة أزمات تقلباته...
الدولة تعرف العملات كالدرهم (بثمن بخس دراهم معدودات)...و تعرف نظام مقايضة البضائع (بضاعة مزجاة)...
الدولة تعتمد نظام (بدائي) للموازين (حمل بعير)...
الدولة بها منظومة مواصلات تشمل وسائل انتقال (العير) و طرق مخصصة للسفر بين البلاد و مجهزة بآبار للماء (الجب – السيارة)...
الدولة شحيحة جداً في العلم التجريبي و في التفكير الحر بدليل ذيوع التقدير الشديد للأحلام أو الرؤى المنامية و لتأويلها و تقبل الناس للوثنية و للعبودية ...
الدولة بها تقدير كبير عام لشهوة البطن (الطعام) فانظر لما أعدته امرأة العزيز للنسوة في المدينة و انظر ليوسف و هو يتنبأ لصاحبي السجن بالطعام و انظر لرؤيا الملك من البقر و السنابل و انظر لتعيين خباز للملك ....
الدولة بها تقدير كبير لشهوة الفرج و للتناسل انظر لامراة العزيز و النسوة في المدينة و بحث العزيز عن التبني...
الدولة بها تقدير كبير للخمور و انظر لتعيين ساقي خمر خاص بالملك و انظر لأهمية و تميز الكأس الذي يشرب فيه الملك الخمر....
و معلوم أن تضييق الفكر و تغييب العقل بالخمور مع الإغراق في الشهوات كلها من مظاهر الدول المتخلفة...!
و الخلاصة أننا في قصة يوسف رأينا ملامح للدولة المصرية تحت حكم الملك (من الهكسوس)...

و ظهر لنا فعلاً كانت دولة متخلفة و إن كانت نسبياً أفضل ما حولها في  زمانها...
ولا زالت الخواطر حول قصة يوسف تترى....
تابعونا...

Monday, June 22, 2015

رمضان مع يوسف 6 (يوسف و العدالة)....

رمضان مع يوسف 6
(يوسف و العدالة)....

رأينا قصة يوسف تتعرض في لقطات كثيرة منها للعدالة و للقضاء بين الناس...
و الملاحظ أولاً هو كثرة عدد (الدعاوى) أو الاتهامات التي تستلزم تدخل العدالة للفصل فيها...و أن هذه الادعاءات شملت أموراً خطيرة كالقتل أو السرقة أو هتك العرض....و أن هذه الدعاوى لم يسلم منها بدو و لا حضر بل و لا قصر الملك نفسه...
و رأينا بذرة (النيابة) التي تجري (التحقيقات) و تستعرض (الأدلة) كما يفعل (الطب الشرعي) في زماننا محاولة لنفي أو إثبات هذه التهم بحق المتهمين...
رأينا ادعاء إخوة يوسف أنه قتل في حادث بالبادية (أكله الذئب) ليخفوا جريمة أخرى هي القاءه في الجب و بيعه رقيقاً...
و رأينا ادعاء امرأة العزيز أن يوسف حاول الاعتداء عليها جنسياً....
و رأينا ادعاء بتهمة محاولة اغتيال الملك وجه لساقيه وخبازه...
و رأينا ادعاء يوسف الشك في نوايا إخوته لما قدموا عليه مصر طلباً للميرة مقابل بضائع يبيعونها...
و رأينا ادعاء مؤذن يوسف في عير إخوته أنهم سارقون لصواع الملك...
و رأينا ادعاء عمة يوسف القديم في حقه بالسرقة و الذي جاء على لسان إخوته...
و رأينا كيف أن معظم هذه الادعاءات كانت كاذبة ومفتراة...و أنه بالفعل (ياما في الحبس مظاليم)...!
في إشارة لمجتمع متباغض ساقط في الرذائل و غارق في الخيانة...!
EG-[A_BA[ALLC_ALLS_ALLB]:Ramadan (614x430)


و رأينا كيف يسوق المدعي الكاذب لدعواه عند أولي الأمر و أصحاب الحكم...
رأينا استدرار عاطفي في بكاء إخوة يوسف أمام يعقوب...و في استثارة امرأة العزيز لحمية العزيز إذ قالت (ما جزاء من أراد بأهلك سوء...)
و رأينا قفزاً إلى استنتاجات غير صحيحة لعرقلة التسلسل المنطقي للتفكير في الدعوى المقدمة...
رأينا إخوة يوسف يتهمون أباهم بأنه لن يصدقهم على أي حال حتى لو ثبت صدقهم...رغم أن دعواهم هذه لا دليل عليها...!
و رأينا امرأة العزيز تعرض اختياراً بين عقوبتين (أن يسجن أو عذاب أليم) لمتهم لم تثبت إدانته بعد...!
و رأينا كيف يدافع المظلوم عن براءته ...
رأينا التصريح بإشارة صريحة للمذنب الحقيقي كما قال يوسف بوضوح (هي رازدتني عن نفسي)...
ورأينا الثبات و عدم الفرار بل و الإقدام على المدعي بشجاعة حين الاتهام كما فعل إخوة يوسف مع المؤذن في العير متهماً إياهم بالسرقة...
و رأينا قبول التحقيقات و الاعتراف بالأدلة المؤيدة أو النافية للتهمة كما فعل يوسف مع الشاهد الذي تفحص قميصه و كما فعل إخوة يوسف مع يوسف و هو يفتش أمتعتهم بحثاً عن صواع الملك...
و رأينا جواز (رفع المظالم) إلى أكبر راس في الدولة بنفسه (كالرئيس أو الملك) فيوسف طلب من ساقي الملك رفيقه في السجن الذي تمت تبرأته ليعود لوظيفته أن يرفع أمره للملك (اذكرني عند ربك) رغم كون يوسف نبي ابن نبي و حفيد نبي...إذ أن الأخذ بالأسباب المشروعة لا حرج عليه...
و الملاحظ أيضاً من القصة وجود أكثر من (قانون) يحكم به بين الناس في هذا الزمان...
قانون عند البدو تم تطبيقه على أخي يوسف الشقيق عقوبة للسرقة...و قانون آخر تم تطبيقه في الحضر على يوسف و رفيقيه في السجن...
رأينا بذرة (الطب الشرعي) في التحقيقات التي تمت في ادعاءات مختلفة و كيف أنها أسهمت في تبرأة متهم أو توصيف أدق لجريمة...
رأينا يعقوب يفحص قميص ابنه الملطخ بالدم و يتأكد من فحص هذا الدليل المزيف أن إخوة يوسف لم يقتلوه و لم يأكله الذئب...
و رأينا الشاهد يفحص قميص يوسف ليرى إن كان قد من الأمام أو من الخلف و يتوصل من هذا لبراءة يوسف من تهمة الاعتداء على امرأة العزيز...
ورأينا بذرة (الحبس الاحتياطي أو التحفظي) في قضية صاحبي السجن مع يوسف حيث وضع ساقي الملك و خبازه كمشتبه بهما في الحبس ريثما تنتهي التحقيقات حول جريمة محاولة اغتيال الملك... كما وضع يوسف في نفس المكان ظلماً لمجرد إبعاده عن نساء المدينة المفتونات به...
و رأينا غرابة (أحكام العقوبات) في ذلك الزمان ...فالاسترقاق أمر مشروع من الأساس ناهيك عن كونه عقوبة على جريمة السرقة...و التنكيل بجثة المعدم صلباً حتى تأكل الطير من رأسه أمر ممكن...
و الشاهد هنا أننا كنا في قصة يوسف مع مجتمع ماجن سيء الخلق كمثل أنه مباح فيه شرب الخمر و النميمة و كثير فيه الكيد و الخيانة
و صنوف الجريمة و هي أمور جعلت للمنظومة القضائية الباحثة عن العدل الذي هو أساس الملك دور كبير فيه...
و لازلنا مع يوسف في رمضان نتابع خواطرنا و تأملاتنا حول قصته...

تابعونا...

Saturday, June 20, 2015

رمضان مع يوسف 5 (يوسف و مجتمع المكائد...!)

رمضان مع يوسف 5
(يوسف و مجتمع المكائد...!)

رأينا في قصة يوسف مجتمعاً شاذاً في نواته الأولى و هي الأسرة و عرجنا على بعض ملامح هذه الأسرة التي ساقتنا لاستنتاج أن هذا المجتمع كان أقرب للانحطاط منه إلى المثالية...
و ها نحن نعرج على لمحة أخرى من صفات هذا المجتمع...
المكائد و الدسائس و المؤمرات و (تلاقيح الجتت) كانت سمة غالبة في هذا المجتمع...
أول المكائد كانت تآمر إخوة يوسف عليه...طلبوا من أبيهم تحمل أمانة الحفاظ على أخيهم ليخونوها و يتخلصوا منه...!
تخيل إخوة يتآمرون على قتل أخيهم....! و لما رق قلبهم اختاروا له النفي بدل القتل...و لم يكن للنفي سبيل إلا البيع عبداً مملوكاً...!
و لم يكن ليوسف الغلام الذي لم يبلغ الحلم و لم يجر عليه القلم أي ذنب مقابل هذه المؤامرات و العقوبات إلا أن أباه يحبه أكثر منهم...!
المكيدة الثانية كانت تآمر امرأة العزيز على يوسف كي تظفر به...
المرأة التي شغفها حب يوسف لم تنتبه إلى أنه دخل بيتها طفلاً دون سن البلوغ و لا أنها زوجة و في عصمة رجل آخر يجب أن تصون اسمه و تحفظ عرضه و لا أن هذا الرجل الذي هي زوجته و في بيته هو عزيز مصر...
ضربت عرض الحائط بكل المحاذير الأخلاقية و الدنيوية في سبيل أن تروي ظمأها ليوسف...
أعددت الخطة و هيئت نفسها و بيتها ثم استهدفت يوسف في الوقت المناسب لدرجة أنه لم يجد بداً من الفرار منها إلا جرياً نحو الباب... EG-[A_BA[ALLC_ALLS_ALLB]:Ramadan (614x430) !


المكيدة الثالثة كانت تآمر امرأة العزيز على النسوة في المدينة أولئك اللاتي أوجعنها نميمة بعد أن افتضح أمر مكيدتها ليوسف...رأيناها تخطط و تهيئ المكان و الأدوات و حتى يوسف نفسه بحيث يلتقي أولئك النسوة مع نفس التحدي الذي واجهته هي و عجزت عنه و لتقيم عليهن الحجة في حال إخفاقهن مثلها فيصبح الكل في الهم سواء (و لا تعايرني و لا أعايرك)...!
المكيدة الرابعة كانت محاولة  اغتيال ملك البلاد بدس السم له في طعامه و شرابه...مؤامرة سياسية هذه المرة اتهم فيها ساقي الملك و خبازه فدخلا مع يوسف في الحبس الاحتياطي ريثما تنتهي التحقيقات حول هذه المؤامرة و تبين فعلاً أن الخباز هو الخائن المتآمر على سيده فتم إعدامه...
المكيدة الخامسة هي التي ألهمها الله تعالى ليوسف كسبيل أوحد لا ثاني له يستنقذ به أخاه الشقيق من بين براثن أحد عشر أخ غير أشقاء يؤذونه....دبر يوسف الأمر بحيث يبدو اخوه الشقيق مداناً بتهمة السرقة التي عقوبتها في زمانهم الاسترقاق و بالتالي يضمن بقاء أخيه لديه ظاهرياً كرقيق بسبب إدانته بالسرقة و واقعياً كحر رفع عنه بلاء الإخوة الغير أشقاء...!
المكيدة السادسة مرتبطة بماضي يوسف و هي التي دبرت فيها عمته تدبيراً مشابهاً لما فعله هو مع أخيه الشقيق و لنفس السبب تقريباً...حيث اتهمته صغيراً بالسرقة لتستبقيه عندها حباً فيه...و هي التهمة الباطلة أو المكيدة التي أشار إليها إخوة يوسف حين قالوا بعد اتهامه لشقيقه بالسرقة (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل)...
إذن نحن أمام مجتمع شاذ فعلاً ....المرأ فيه محاط بالمكائد و الخيانة في كل مرحلة سنية و في كل مكان تقريباً...من خيمة البادية حتى قصر الملك...!
و لعل هذا ما جعل السجن أحب إلى يوسف في مرحلة ما لأنه الحل الوحيد لحمايته من التلوث بهذه البيئة...!
و لا زال أمامنا المزيد من الخواطر و الملاحظات حول ملامح هذا المجتمع نسردها لاحقاً بإذن الله تعالى....

تابعونا...

وهم اسمه العروبة...!

اعتقد ان سر فشل اي عمل مشترك بين ما يسمى الدول العربية هو انها تبني تقاربها معا على اساس تنافرها جميعا مع طرف اخر (اسرائيل مثلا)....
و لو كان العرب حقا امة واحدة لكان تقاربهم فيما بينهم امرا طبيعيا لا يحتاج لاي محفزات او عداوات مع اي اطراف غير عربية...
و ها نحن نرى ان جامعة الدول العربية قد ولدت ميتة...
و نرى من العرب من يعتبر العروبة مجرد (سبوبة) يحتال بها الفقراء على الاغنياء و الضعفاء على الاقوياء....و احيانا العكس...
و لا اظن انه يتوجب على اي اطراف عاقلة تريد التعاون الجاد فيما بينها ان تشترط الوحدة القومية لذلك...
ثم ان التاريخ في كل مراحله و الجغرافيا في كل اماكنها لم يعطيانا نموذجا ناجحا في اي مجال بني على اساس القومية...اي قومية...!

رمضان مع يوسف 4 ( يوسف و الأسرة)...

رمضان مع يوسف 4
(يوسف و الأسرة المعاصرة)

الأسرة هي الوحدة البنائية لأي مجتمع...و عناصرها هي الأب و الأم و الأبناء...و يمكنك الحكم على ماضي و حاضر و مستقبل أي مجتمع من خلال تقييم أحوال الأسرة فيه...
يعني مثلاً:
هل الأسرة موجودة أصلاً أم أنه مجتمع أطفال الشوارع و اللقطاء ؟
إن كان هناك أسرة هل هناك قيم و مباديء حاكمة لكيفية تأسيس هذه الأسرة و لدور كل فرد فيها أم أن المسألة أهواء متلاطمة يبنى عليها أبنية هشة تعطى زوراً اسم أسرة ؟
في قصة يوسف رأينا نموذجين للأسرة المعاصرة له...أسرة يوسف و أسرة العزيز...
أسرة يوسف كانت أسرة بدوية واضح فيها ظواهر مثل تعدد الزوجات و كثرة عدد الأولاد و بالمقابل أسرة العزيز التي تعيش في قصر بالحضر كانت تعاني من العقم و تبحث عن الولد بالتبني و لو من بين الرقيق...
أسرة يوسف كانت تعاني من أمراض مثل التنافر بين الأبناء الغير أشقاء و الغيرة من الأخ المتميز و بالمقابل أسرة العزيز كانت تعاني من الحرمان العاطفي و من محاولة الخيانة الزوجية (من جانب الزوجة)...
EG-[A_BA[ALLC_ALLS_ALLB]:Ramadan (614x430)


أسرة يوسف شهدت البذرة الأولى لفكرة (القبيلة) و أعطى أخوة يوسف الغير أشقاء نموذجاً (للعقلية القبلية) بكل عنصريتها البغيضة حتى تجاه أخوين غير شقيقين...
فقد رأينا الأحد عشر الغير أشقاء ليوسف منذ بداية القصة و هم يعدون أنفسهم كتلة واحدة أو قطيع منفصل عن أخويهم الغير شقيقين على طريقة (نحن) و (هم)...و يركنون لكثرة عددهم (الأكبر من عدد الإخوة غير الأشقاء) و يرونها سبباً كافياً لنيل محبة الأب (خلافاً لعاطفة الأبوة و الأمومة التي تتعاطف أكثر مع الأضعف و ليس الأقوى من بين الأبناء...!) و سبباً للنصر على أي تهديد في المرعى (و هو ما لم يحدث حين تخلصوا من يوسف و تحججوا باللعب و بالذئب...!)...
رأينا الأحد عشر أخ يتحركون دائماً في قطيع واحد...له كبير لا يخالفون رأيه...ذهاباً إلى الرعي و هم صغار ثم سفراً لمصر و إياباً منها و هم كبار...و رأينا الأحد عشر أخ يشتركون في جريمة واحدة للتخلص من يوسف دون أن يخالف واحد القطيع أو يشذ عنه قبل أو أثناء أو بعد الجريمة ...و حتى حركتهم في مصر دخولاً لطلب الميرة من وزير خزانة مصر كانت في قطيع واحد مكون من أحد عشر رجل و هو ما لفت نظر يوسف فعرفهم به و استغله كما جاء بالقصة ليستدرجهم لإحضار أخيه إليه و هونفسه ما حاول يعقوب أن يغيره فيهم بعد ذلك حماية لهم و لأخيهم ...
السلوك القبلي واضح إذن...
 أسرة العزيز بالمقابل شهدت حالة من التفكك و سطحية العلاقة بين العزيز و امرأته فهو لما تأكد من أن يوسف لم يجبها لطلبها لم يلمها على فعلتها أو يستنكرها أو يعيرها مثلاً بأفضاله عليها أو يذكرها بعلاقته بها أو مثل هذا مما يحدث في هذه المواقف...و هو لم يأمر بنقل يوسف لقصر آخر أو لمكان مختلف أو أوصى بمراقبته مثلاً أو غير هذا...
فقط اكتفى بنصحها بالاستغفار و بنصح يوسف بنسيان الأمر...و انهى الموقف ببرود حرصاً على سمعته و مركزه الأهم في حياته ...!
إذن الأسرتين اللتين ذكرتا في القصة جمعتا سلبيات كثيرة جداً بينت لنا أن المجتمع المعاصر ليوسف لم يكن مجتمعاً مثالياً أو حتى قريباً من المثالية...بالعكس كان مجتمعاً أقرب للتفكك الأسري و الأزمات العاطفية وربما التحلل الأخلاقي فضلاً عن الإرهاصات الأولى للقبلية و العنصرية...
و خلال خواطرنا حول قصة يوسف سيكون لنا ملاحظات أخرى بإذن الله حول هذا المجتمع من زوايا مختلفة ستكشف لنا حقيقته و تعلمنا دروساً منه و تهمس في خلفية كل مشهد بالمقارنة بينه و بين مشاهدنا المعاصرة...
تابعونا...

Friday, June 19, 2015

رمضان مع يوسف 3 (يوسف والأحلام التي تتحقق....!)



رأينا في قصة يوسف أربعة أحلام أو رؤى منامية كلها تحققت كفلق الصبح رغم أن من رأوها تباينوا في أشياء كثيرة فمنهم مثلا الصبي والفتى و الرجل الكبير السن...و منهم البدوي و الحضري...و منهم الحر و السجين....و منهم الرعية و الملك...و منهم من صار نبياً و منهم من مات كافراً....
و لكن الرؤى الأربع كانت صادقة و تحقق ما ورد فيها بمنتهى الدقة...
و إن دل هذا على شيء فإنه يدل على أن الرؤيا المنامية أمر هام يستحق الانتباه و ليس مجرد حادث عابر لا معنى له...
و يكفيك أن تعرف أن الرؤيا الصادقة جزء من أجزاء النبوة كما ورد في الحديث الشريف و أنها في حق الأنبياء كالوحي تماماً...
و لذا كاد الخليل إبراهيم (ص) أن يذبح ابنه بناء على رؤيا رآها في منامه...
الرؤيا قد تكون صريحة في نصها لا تحتاج لتأويل و قد تكون رمزية مليئة بالشفرات التي تحتاج علم خاص يسبر غورها و يكشف مضمونها...
و المشاهد فعلاً أن الناس من كل فئات البشر يرون رؤى كثيرة و أن بعضها فعلاً يتحقق و أن الناس ربما يتذكرون الرؤية بعد تحققها في الواقع فيربطون هذه بتلك و أن الناس لا يقصون رؤياهم الهامة أو التي يشعرون أن رمزيتها قد تحمل معاني خطيرة تخصهم أو من يهمهم أمره لا يقصونها إلا على من يثقون في خلقه و علمه و أن بعض هؤلاء المفسرين قد يكون فعلاً عالماً و على خلق و أن بعضهم قد يكون دجالاً أو مشعوذاً أو مدعياً (المشيخة)...!
الحلم الأول في القصة كان ليوسف (ص) رآه و هو غلام صغير يعيش في البادية بين عشيرته...و كانت رمزيته شبه واضحة من حيث العدد و من حيث تصنيف ما يراه الطفل ابن البادية في السماء ليلاً...العدد كان لأخوته و التصنيف شمساً و قمراً و كواكباً كان متوافقاً مع أبيه و أمه و إخوته الغير أشقاء...
و المفسر كان الشخص الأول موضع ثقة يوسف في سنه تلك و هو أبوه يعقوب (ص) و بالطبع فهم يعقوب النبي البشارة من الرؤيا و علم أنها أول إطلالات النبوة على يوسف و أدرك أيضاً سهولة إدراك غيره من إخوة يوسف لمعنى الرؤية و لذا حذره من روايتها لهم  لما يعلمه من غيرتهم منه...و كان آخر مشاهد القصة هو مشهد تحققت فيه الرؤيا كما جاءت بالحلم تماماً...


EG-[A_BA[ALLC_ALLS_ALLB]:Ramadan (614x430) 
الحلمين التاليين في القصة كانا لشابين موظفين بالبلاط الملكي في مصر في ذلك الوقت...ساقي الملك و خبازه...و كلاهما كانا متهمين بخيانة الملك ومحاولة قتله بدس السم له...و لذا دخلا السجن مع يوسف...
الساقي رأى نفسه في المنام يجهز الخمر كما اعتاد في عمله...والخباز رأي نفسه و الطير تأكل من رأسه...
و الرؤيا هنا تكاد تكون صريحة  بدون شفرة ...و رغم هذا فإن رؤيا الساقي التي يمارس فيها عمله المعتاد بالنسبة له تحمل غموضاً كبيراً بل هي بلا دلالة خاصة...و رؤيا الخباز التي تأكل الطير فيها من رأسه تحمل قلقاً شديداً يحتاج معه أن يستوثق منه...
يوسف كان محل ثقة زميليه في السجن على الرغم من أن تهمته كانت في قضية تمس الشرف و هنا يصح المثل الشعبي أمام صاحبيه في السجن (ياما في الحبس مظاليم)...و سر الثقة في يوسف كانت معايشته و رؤية أحواله بالعين و عن قرب و لفترة معقولة من الوقت...
و لذا قبلا أن يستفتياه في رؤياهما و كانت فتواه واضحة...الساقي سيبرأ و يعود لممارسة عمله...و الخباز سيدان و يعدم و تعلق جثته حتى تنهش رأسه الطير تنكيلاً به...مؤكد أن من بشره يوسف فرح و شكره و من أنذره يوسف حزن و أنكر التأويل و الإدانة و العقاب...و لذا اختتم يوسف فتواه بأن الأمر نهائي لا استئناف فيه...!
و صدقت فتوى يوسف و كان الواقع مصدقاُ لها...و للحلم الذي تحقق...!
الحلم الرابع في القصة هو حلم ملك البلاد نفسه...!
حلم يختلف عن الأحلام السابقة في ارتفاع مستوى الشفرة فيه...و إن كان مرتبطاً بالبيئة المصرية التي يعيش فيها الملك...
المشهد كان لسبع بقرات سمان و رغم هذا تهاجمهن سبع أنحل منهن و يأكلهن...! و إلى جوار هذا سبع سنبلات قمح خضر و سبع أخر يابسة...!
الرقم سبعة من الأرقام التي لها سر خاص في كل الثقافات تقريباً...و استخدام كثير في مجالات مختلفة...و لذا فإن مدلوله في الرؤيا لم يكن سهل الاستجلاء...
و بالطبع العلاقة المقلوبة في صراع البقرات السمان مع العجاف كانت لغزاً محيراً فعلاً...و مدلول السنبلات الخضر و اليابسات كان غامضاً رغم أن سنابل القمح ترمز عادة للخير و الرخاء إلا أن وجود الخضر إلى جوار اليابسات جعل المعنى ملتبساً...
الملك لجأ إلى الأعيان (الملأ) الذين يرجى فيهم العلم و الحكمة فهؤلاء هم محل ثقته الأول بطبيعة الحال لكن خاب رجاءه فيهم فلا هم أفتوه و لا دلوه على من يفتيه...بالطبع ساقي الملك كان حاضراً بحكم وظيفته في خلفية هذا الحدث و تذكر من فسر له الحلم الذي أنقذ حياته....يوسف...فأعلم الملك بأمره...و طلب أن يرسلوه إليه ليستفتيه...
و كانت فتوى يوسف هذه المرة أبعد من مجرد فك للشفرة أو لرمزية الرؤيا...كقوله مثلاً إن كل بقرة ترمز لسنة...فإن كانت السنة رخاءاً كانت البقرة سمينة و العكس بالعكس...و أن العلاقة بين سنوات الرخاء و سنوات الجفاف هي الإدخار أو بناء (المخزون الاستراتيجي) ...لا...إنما زاد يوسف و فصل و أعطى توجيهات استراتيجية و رسم سياسة الدولة...
فقال إن سنوات الرخاء السبع الأولى لا يجب التراخي فيها بل بالعكس يجب العمل الدؤوب في الزراعة حتى يتحقق أعلى محصول يمكن منه تحقيق الإدخار المطلوب بعد تغطية الاحتياجات...
كما أمر يوسف بالتقشف خلال سنوات الرخاء الأولى حتى يسهل هذا من زيادة ما يتم ادخاره للسنوات العجاف التالية...كما بين يوسف الأسلوب الأمثل لتخزين الغلال حتى يمكن الحفاظ على سلامتها لأطول مدة ممكنة...
كما بين يوسف أن المتوقع بعد التقلب من سبع سنين رخاء إلى سبع سنين عجاف هو أن تتكرر الدورة فيكون أول عام بعد السبع العجاف هو عام رخاء....و كل هذا زيادة عن مجرد تأويل للرؤيا...
و كان هذا كافياً للفت نظر الملك و طلب استدعاء يوسف هذا العالم و السياسي و المخطط الملقى في السجن لسبب مجهول فعلى أي حال مكان من هم مثل يوسف ليس السجون أبداً...!
و تتابعت أحداث القصة لتثبت ليس فقط أهمية الرؤيا في إنقاذ أمة من الناس و دولة عظمى في زمانها بل و صدق التأويل بل و حسن التدبير و جدارة يوسف بالسلطة التي نفذ فيها ما عرضه من حلول للأزمة...
الأحلام مهمة...بصرف النظر عمن يراها...و بعضها يتحقق فعلاً و يؤثر في مستقبل فرد أو أمة أو دولة...و ليس كل الناس خليقاً بتأويلها أو النصح بشأنها...
الأحلام...ممكن فعلاً أن تتحقق...!